الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
29
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
النبات ، وهي إنما تحدث من امتزاج الماء والتراب . وَفِيها نُعِيدُكُمْ ، إلى الموضع الذي أخذ ترابكم منه مدفونين فيه . وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 ) ، يوم البعث على الهيئة السابقة . وَلَقَدْ أَرَيْناهُ أي واللّه لقد بصّرنا فرعون آياتِنا كُلَّها . روي أن موسى لما ألقى عصاه انقلبت ثعبانا أشعر فاغرا فاه ، بين لحييه ثمانون ذراعا ، وضع لحيه الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر ، وتوجّه نحو فرعون ، فهرب وأحدث ، وانهزم الناس مزدحمين ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه ، فصاح فرعون يا موسى : أنشدك بالذي أرسلك ألا أخذته ، فأخذه ، فعاد عصا . وروي أنها انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون ، وجعلت تقول : يا موسى مرني بما شئت ، ويقول فرعون : يا موسى أنشدك إلخ . ونزع موسى يده من جيبه ، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا ، خارجا عن حدود العادات ، قد غلب شعاعه شعاع الشمس ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة ، ولذلك أكدت بكلها . فَكَذَّبَ موسى عليه السلام ، وَأَبى ( 56 ) أن يؤمن ويطيع لعتوّه قالَ لموسى خوفا من أن يتبعه الناس : أَ جِئْتَنا من مكانك الذي كنت فيه بعد ما غبت عنا ، لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا مصر ، بِسِحْرِكَ أي الذي هو العصا واليد البيضاء ، يا مُوسى ( 57 ) وليكون لك الملك فيها ، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ أي مثل سحرك في الغرابة . فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً أي وعدا لإتيانك بالسحر ، لا نُخْلِفُهُ ، أي ذلك الوعد ، نَحْنُ وَلا أَنْتَ ، ف « موعدا » مفعول أول ، والظرف مفعول ثان . مَكاناً مفعول فيه منصوب ب « اجعل » ، سُوىً ( 58 ) . قرأ عاصم وحمزة وابن عامر بضم السين ، أي تستوي مسافة المكان على الفريقين ، والباقون بكسرها ، أي غير هذا المكان الذي نحن فيه الآن . قالَ موسى : مَوْعِدُكُمْ أي أجلكم يَوْمُ الزِّينَةِ ، وهو يوم النيروز ، أو يوم عيد لهم ، وكان يوم عاشوراء . واتفق أنه في هذه الواقعة يوم سبت . وقرأ الحسن ، والأعمش ، وعيسى ، وعاصم ، وغيرهم « يوم » بالنصب أي موعدكم يقع يوم الزينة ، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) ، عطف على الزينة أو على يوم . فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ ، أي انصرف عن المجلس وفارق موسى ، فَجَمَعَ كَيْدَهُ ، أي ما يكاد به من السحرة وأدواتهم ، ثُمَّ أَتى ( 60 ) بهم الموعد وأتى موسى أيضا . قالَ لَهُمْ . أي لأهل الكيد ، مُوسى بطريق النصيحة : وَيْلَكُمْ أي ألزمكم اللّه ضيقا في الدنيا ، لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً ، بإتيان السحر في معارضة آيات اللّه وبادعائكم أن الآيات التي ستظهر على يدي سحر فَيُسْحِتَكُمْ . قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء ، وكسر الحاء والبيخقون بفتحهما ، أي فيهلككم ، بِعَذابٍ في الدنيا بالاستئصال أو في الآخرة بالنار . وَقَدْ خابَ أي حرم عن المقصود مَنِ